ابن الفارض

176

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

بوصف الجمع ، وإسراء سرّ العبد من مقام الحقيقة التي هي مطلق الذات إلى حضرة اللّاهوت لئلّا ينساها بسبب الناسوت ، وسير نفسه في عموم الشريعة لئلّا يلهى باللاهوت عن الناسوت ، والاتّصاف بهذين الوصفين لا يمكن إلّا عند كشف الذات ، فلذلك حكى عنها بلسان الجمع أنها مصدر الأحكام السابقة واللاحقة ، وقال : فعنّي على النّفس العقود تحكّمت * ومنّي على الحسّ الحدود أقيمت أراد ب ( العقود ) المواثيق المأخوذة على النفس الإنسانية من إلزامات أداء الحقوق [ 220 / ق ] العبودية المرتّبة على عقد الربوبية ، وهي الأحكام السابقة ، وبالحدود ما أقيم على الحواس والجوارح من المأمورات والمنهيّات ، وهي الأحكام اللاحقة ، وبالتحكّم تكلف الحكم ، أي : بسبب قيامي بالذات صدر عني حكم العقود السابقة على النفس الإنسانية في الغيب بلا واسطة ، وورد مني الحدود الشرعية الأحكام المرعيّة على الحواس في الشهادة بواسطة الرسل ، ثم قال : وقد جاءني منّي رسول ، عليه ما * عنتّ عزيز بي ، حريص لرأفة أراد بهذا ( الرسول ) المرسل منه إليه الروح الكلّية التي أرسلتها الذات الأحدية إلى النفس الكلّية بآيات صفاتها وأسمائها ، وحقيقة النفس والروح وغيرهما من المكوّنات هي الذات النازلة إلى المراتب محتجبة بحجب تعيّنات ؛ كتنزّل الماء عن صورة إطلاقه إلى صورة أنواع النبات باحتجابه بالخلق ، فيكون عين الذات الأحدية ، فلذلك قال : ( وقد جاءني مني رسول ) حاكيا عن الذات ووصف الرسول بالشفقة على نفسه ، والحرص بتربيتها فقال : ( عليه ما عنت عزيز ) أي : شديد عليه ما أثمت حريص ، أي : مولع بتربيتي لرأفة ورحمة ، وذلك لأن الروح شفيق على النفس حريص بتربيتها رؤوف بها لما بينهما من التلازم ، والتعاشق الأزلي ، ولما اقتضى مجيء رسول من نفسه إلى نفسه أن لا يبلغ إليها من الأحكام سوى ما قصته النفس على النفس : فحكمي من نفسي عليها قضيته * ولمّا تولّت أمرها ما تولّت ( تولّى ) الأمر : صار وليّه ، وتولّى عنه : أعرض ، أي بسبب مجيء الرسول مني إليّ قضيت حكمي من نفسي على نفسي ، ولما صارت نفسي وليّة أمرها ، وأقبلت عليه ما أعرضت عنه ، وذلك أنها مرسلة إلى نفسها من الأزل إلى الأبد ؛ كما قال : ومن عهد عهدي قبل عصر عناصري * إلى دار بعث قبل إنذار بعثة [ 221 / ق ] إليّ رسولا كنت منّي مرسلا * وذاتي بآياتي عليّ استدلّت